تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


يوسف السويدي: الذهب والمال لن يصنعا أمة، إنما سيصنع الأمة جهادي الذي سيطول


حميد المطبعي

من رعيل اليقظة الفكرية، وأكثرهم ميلا إلى الحرية، وجعلها محور اهتمامه في نشر(الفكرة العربية) على عهد العثمانيين، فقيد لسانه، وسجن وحارب الاحتلال الإنكليزي بقلبه وروحه العربية الوثابة، فطارده الإنكليز في جبهات العراق،


 وطارد هو مغرياتهم قائلا:(الذهب والمال لن يصنع أمة، إنما سيصنع الأمة جهادي الذي سيطول)، ولما بدا في الأفق بصيص فجر الحرية مطلع العشرينيات، خاطب الملك فيصل بن الحسين قائلا:(عهدنا إليك ولرفاقك صناعة الدستور وأنتم أعيانه).

جمع العراق على مائدة الوطنية الحقة.*

قام يوسف السويدي (1853-1929 ) ورهطه من رجال اليقظة بوضع اللمسات الفقهية لدستور العراق، ثم نهض بوضع الإطار العراقي لمجلس الأعيان 1925 ورأسه حتى وفاته، وكان يجمع إلى جانب عفته وطهارة يده ونزاهة كيانه المعنوي، دوره الرسالي الشريف في جمع العراق على مائدة الوطنية الحقة، وبوعيه المتوازن الحر الدقيق، فلا غرب ولا شرق في عقله، ولا طائفة أو انحياز لعنصر معين في مزاجه اليومي، الوظيفي، أو الأخلاقي، إنما كان العراق بوحدته الجغرافية والتاريخية والأخلاقية؛ جمعية كلا واحدا، يجري بشفافية في دمه وفي رؤاه، ومات هذا الرضي، الرصين في عمته الدينية، والممجد في قبره، وأجيال عديدة تذكر سبحاته وأفكاره، ورجال اليقظة على طرازه لا يموتون أبدا.. أبدا..!

حزن المتصوفة 

هو على قامة طويلة، وينسرح عليها ظل محتشم، ويتدفق حزن من عينيه، وربما هو حزن المتصوفة المؤمنين بقضية عادلة، وكل الذين سمعوا منه، أو قرأوا عليه كانوا يفتخرون بصوته، الذي يفيض قوة من نوع القوة التي تفيض من أفواه رجال الدين الأقوياء في تصرفاتهم، وكانت جلسته مثل حركته، تعطيك مسحة من شهامة الفارس المجتهد الذي يقول الحق من دون تخريج فلسفي، وأولئك الذين كتبوا عنه بعد وفاته أجمعوا على لسان شاعر ثورة العشرين(مهدي البصير)، وهو يقول:(كالأُسْدِ تأبى أن يقر قرارها)، وجميع القصائد التي رثته شبهته بالسيف والأسد والنار والصقر، حتى ضريحه جاء وصفه في قصيدة لجميل صدقي الزهاوي بأنه:(غمد ويوسف في الضريح حسام)، أي إن الجيل الذي لازمه أو عاش في شطر من حياته، كان يرى فيه فكره، أو اجتهاده، أو طريقته في الحياة، كما رأى بغداد.. ذلك السيف التاريخي الحاسم..!

في السادسة عشرة تلمذ لعبد السلام الشواف، ولازم عبد الوهاب النائب، وشقيقه محمد سعيد، وهؤلاء كانوا علماء مجتهدين منحوا السويدي إجازات عدة في اللغة ومبادئ الشريعة وأصول الفقه، وما إن ظهر على مسرح الحوار  الديني والاجتماعي  حتى عُين عضوا في مجلس بلدية الكرخ 1879، وعين في ما بعد في إدارة الولاية 1909، بل اختير مستشاراً للوالي ناظم باشا، ومنذ عام 1886 شغل وظائف القضاء في عدد من مدن العراق ومحاكمه، وتشهد ملفاته على رجاحة عقله في القانون، وكان ينتصر للمظلومين والفقراء، وكتب مسودات لتشريعات تحولت إلى قوانين، وأسهم في صياغة العديد من القوانين في تكوين محاكم الاستئناف.

الاصطدام بوالي بغداد جمال باشا سنة 1912 

لكن الفقيه العامل المجاهد لا بد من أن يصطدم بحركة الواقع، فاصطدم  النبيل يوسف السويدي بوالي بغداد جمال باشا سنة 1912، الذي أراد أن يحول العدالة إلى آلة قانونية، ورفض السويدي قائلا:(بغداد ليست ألعوبة بيدك)، ودبر السفاح جمال باشا خطته للإيقاع بالسويدي، وسجنه في سجون بغداد، وأُطلق بعد احتجاج علماء بغداد، وظل جهاده يتواتر من طور لآخر أعلى، وقامت  الحرب العالمية الأولى، واحتج أحرار العرب على الدولة العثمانية، وسيق كثير منهم إلى السجون، وإلى المجلس العرفي في لبنان، ومنهم يوسف السويدي، وبُرِّئت ساحته في هذا المجلس، لكن العثمانيين نفوه إلى قرى الأناضول، وسُحب إلى الأستانة منفيا، وعذبت خواطره ولم يهدأ شيء في أعماقه، وعاد إلى بغداد وكأنه زلزال.

رئيسا لمجلس الأعيان

عاد عن طريق سوريا عام 1919، ورأى بغداد تضج في الاحتلال الإنكليزي، وفتح بيته فكان ساحة جهاد وكل رؤساء الجهاد يجتمعون في  مجلسه، وأصدر بلاغا في الثورة، وبلاغا في الجهاد، وحوصر بيته بمختلف الأسلحة، وتسلل في ريف بغداد، ومنه إلى سامراء، حتى اجتاز الصحراء إلى سوريا، وهناك دعا العالم إلى حماية  العراق من الغزو البريطاني، جهاد في جهاد، وفي عام 1920 اجتمع بعاهل الحجاز مع فريق من أحرار العراق، فقرروا أن يكون الأمير فيصل ملكا على العراق، وفي عام 1921 عاد في موكب فيصل إلى بغداد منتصراً وكله زهو في انتصاره، قال له الملك فيصل:(الآن عليك أن تتسلق الشجرة بأمانة)! 

وتأسس مجلس الأمة عام 1925، وأوصى فيصل أن يكون السيد يوسف السويدي رئيسا لمجلس الأعيان، وهو مؤلف من رؤساء القوم في العراق، ومن 1925 حتى 1929 قام السيد السويدي بتأليف القلوب، ووضع أعيان العراق في صلب الوحدة الوطنية، قال:(نحن وحدة منذ وجدنا في وحدة العراق)، فكان لسانا وعقلا وقلبا كبيرا، وشهادة! 



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2

Copyright© 2009 بإستخدام برنامج البوابة العربية 2.2