تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


أُسطورَة عجوز!


ابتهال بليبل

فاجأتني بالغياب، فتجرأ وخذ كُل ما يثبت أنك في حضرة الليالي الشهيدة بريئا من دمي... معتقة هي جروح الروح كما الوطن.. موصولة بالسماء كما الصلوات.. وتنفل منها صرخات بوح رغم الخوف والرحيل.. تركت فصولها مذبوحة على سياج مكلل ببرد الشتاء.. ومرآتك الشاحبة ما زالت تعدّ ابتسامتي واحدة تلو الأخرى...


 كَفن الأحلام الأبيض انزوى بَريقه مَع أشباح الحِيرة بعيداً نحو العناق، كَالهَواء يَستَحيل العَيش دونه... أَيَا بَوح  مشبع بصمت واهم يُلب فِي خَفقات الحُروف، علّ خطى أحداقه تُدرك أَوَّل المَطر، لتصبح الروح تَوأَم لِنبض يَجري بِين العُروق.. هناك نحو النُور أختَرق ثَوب انتظاري لتتَسع فيه ثقوب الفَقد أمام عَيِنيه والرِيِح المُنهَكة بالشتات أَتقَنَت مُراقصة نيران اقترابه الخَافِت.. 

من أين لي بدروبه الآن؟! يَا خَطوات دليني كُلما هفت حُروف الشَوق الميلان عَن أصابعي.. حَتى صوّره المتكدسة فِي أدراج روحي لَم تَهبني هدنة الوصول إليهِ.. هل عليّ الرجوع إلى كسل الفجر للبحث عن صراخ ضرير في يوم عاصف بصيرته بلا بوصلة..

وفِي المَساء تَشَردَت العَيون حَتى اِغرورَقَت بِثِقَل الأحزان... عبروا الليل في آخر المطاف.

فاستقبلهم مفترق الدهاليز.. واِحتِجَاجاً عَلَى البَقَاء خَلف آثار خُطاهم سأَنكَفِئ بِضَوع الليل البَارد وبِرذَاذ خَطى مُثقلة فِي مَدَائن وَطَن .. يا مَساء لا تتَكوثر على مَلامحي بِكسل وتُلْهِمني نظرات ليِلة خَرِيْفية .. ناشدتكَ يَا مساء أن لا تلامس لَحظاتكَ أصابعي الْخَشنَة بحَرْف لا يسرد سوى حِكاية لرَمَادِ نَّبض... 

نَبض.. كخَيط عَلق فِي جِذع أمل أَخرَس قَدَّ من جَوْرَب صُوفي الصَّمت.. رُحْتُ أتبع اِستَنزافَه أَلِف خَطوة وَخطوة شَاخَتْ عَلَى مَواطِئ الهَجِير وتَهَاوَت خَلْف أطيَاف مَدِينَة الرُّوح.. أَتعَبَتنِي حُمَّى السَّراب وقَصدَاً أهرب دَاخِل عَسس بَصرَكَ إِذا مَا هَاجَت رِياح الوَقت.. وقَايَضتْ بِحِيلة غَابة مَهجُورة تَسرَح بِدَاخِلِها الأشبَاح.. 

كُلِّي أسير فَوقَ حبال ذكريات اِندَلَعت في روحي حروب.. أَتَسمَع صَوت خَطواتها.. أَتسمَع رنين أجراس مُدنها البعيدة حَبَّذَا لَو تسمَع نبض وريدها.. أَمَا زِلت تُساند الأحلام للهَرب في مراكب شَابَت بحُروفي... أَمَا زِلت تَطوف مِن حَولي كَتعويذة كُفرَت بالمَصير.. أَمَا زِلتَ القَابِض عَلى رئتي بِأَصفَاد مُدُنِي المُشبَعَة بدُخان المَغيب.. 

يوماً.. حِين تََنبَهوا لِمَلامح حُروفِي.. هَمسوا لي: أنَتِ عَجوز... نَعم أَنا عَجوز تلَطّخ عُمري بنجيع الدّمَاء وأنَكسر جِذعي مِن ضَربهِ بسِياط المُؤَامرات.. أنا عجوز بين الصّامتين الجائعين لِزمن يسهب فيه نَزف الحروف في دوامة عناقِ تغرقهم بسَّراب الاِنهِزَام..

كُلما قَررت رَسم الحلم المُنتظر عَلى لُوحة الرُوح .. أشرد ضَائعة بِالخُطوط، خطوط بينها تَنتصب سرادق تخبرني عَن أسرار مصيريّة تنسج فيها حِكايَة حُزن تَفُوح مِنها رائِحَة  ذواتِنا... وبَين أنقاضِ الوَقتِ، أشربُ مِن أعناقِ الحروف سكُوتي وتسقِط بؤر المعاني في تمثال اِحتَلَّهَ مَسخ الرَّمَاد يسكب ما تبقّى من جَسد عُلق شَوقه عَلى حائطِ أيام هَزيلةِ..

مَن يَجرُؤ عَلَى الاِعتراف بأنه مشلُول ؟! ويحرك طَّوب التصق بسلَّم حَياته المَخلُوع مَن يَجرُؤ حين ترتد شَمس الحَقيقة المتشبثة بنَظرته للسماء، أن تركهَا تهَشَّم حَانُوت قَلب أنغَمس في حَشَاه وتَآكل...كِلانَا يفَشي باِغتياله لسطُور الوَقْت الأَخرَس.. يا أنت لست بقاتلي... ولكنك زَفَفْت جثماني في دُرُوبَ كُلَّمَا ضَجَّتْ بمُرورك جَمَعْت ثَوانيها المُتَسلِّلة مِن أَرصفَة الرّوح.. لكَ أن تَتخيّل مَهاجرة لَّاجِئة إليكَ.. بشَتَّى عَثرَات الحِياد.. وَأَنَا الصَغيرة يَا زَيَّف الإصغاء لوَدَع الحَظوظ لا يعكِس إلَّا عجز أَيَّام المَهَازل... هذه أُسطورَة عجوز تَنسِج خيوط الوجوه ثَوبَا.. عَلَّهَا مِن بَرد الشَلل تَتَحَرَّر.. 

وبالدمُوع نُشيع العُهود العَزيزة 



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2