تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


المرأة البهرزية شهرة جمالية وتنظيمية


متعبا يصل إليها خريسان، فتحتفي به أشجار ومواويل وعصافير، تهدهده قصائد، وتحنو عليه صباحات بعذوبة السلام، تلك هي بهرز التي علّمت القرون ان الحياة تواصل وعطاء.. بهرز.. أو قل: بستان، متصل بالروح بدءا، وليس بالنظر فحسب، أهلها ودودون ورثوا الألفة من ذلك العمق التاريخي الذي يميزها عن حواضر محافظة ديالى الأخرى، وعندما يدخلها المرء - لأول مرة - متجولاً ما بين أزقتها، التي ينبئ كل شبر فيها عن حكاية يعرفها البهرزيون، تكاد تشم ذكاء عصور خلت مع كل خطوة على ثراها الزكي .. تحدثك جدران، وتقودك دهشة المكان إلى حقيقة كبيرة.. هنا إنسان.


لا نزاع ولا ألقاب عشائرية يفتخر البهرزيون أن عشرات السنين قد مرت دون ان يقتل إنسان فيها لأي من أسباب النزاع، وهو دليل وعي وتحضر – كما يقولون-، فمنذ العام 1930 حتى عام 2003 لم تسجل مراكز الشرطة أي حادث من هذا القبيل، ولم تحدث حالة نزاع عشائري حتى انهم لا يتنادون بالألقاب العشائرية، بل بأسماء الأسر التي تعارفوا عليها واكتسبوها من مهنهم أو أسماء أجدادهم، فكانوا يطلقون على كل عائلة تسمية (بيت) حتى انك عندما تسأل عن احد ما باسم عشيرته لن تجد ضالتك، وهذا مرده حسب الباحث التاريخي قاسم صالح محمود البهرزي إلى ان بهرز المتحضرة قد ذوبت تقاليد البداوة في مرجل تحضرها الضارب بالعمق التاريخي لاسيما انها موطن حضارة عراقية مهمة هي حضارة اشنونا . بهرز .. الموقع والتسمية عندما تقصد بهرز عن طريق مدخلها الشمالي، وهو المدخل الرئيسي للمدينة - التي تذكر المصادر التاريخية انها قد بنيت قبل بناء المدائن -، فإنك ستحصل على رفقة ممتعة من جدول خريسان، الذي سيدلك - منذ أول خطوة في ذلك الطريق - على بساتين ومواويل وحكايات لها أول وليس لها آخر، ولن تسكت بهرز عن الكلام المباح لان عشاقها ما ملوا قصة عشقها الفريدة، وأولهم نهر ديالى الذي يحتضن بهرز مثل عاشق دنف مشكلا بحيرة هلالية من جهة الغرب، ولست اعلم كيف احتملت هذه (الترفة) غضب النهر العظيم (ديالاس أو تامرا)، والغضب هو ما تعنيه تسميته الآرامية الأصل قبل أن يصحف إلى ديالى. إن تسمية بهرز على وفق المؤرخين (العلامة مصطفى جواد، واحمد الرجيبي الحسني اليعقوبي ) قد جاءت من مقطعين (بو – هرز)، وهو من ملوك فارس أو احد قادتها كان قد مر بها، فيما يقول الدكتور احمد صالح العلي الرئيس السابق للمجمع العلمي إن كل اسم علم عراقي يبدأ بالباء، فهو عراقي أصيل، مشيرا إلى ان بهرز موجودة قبل الساسانيين الفرس بمئات السنين، ويشكك الرجل بفارسية التسمية . معالم بهرز التاريخية والأثرية يحدثنا الباحث قاسم البهرزي قائلاً: « في بهرز معالم تاريخية متعددة منها ما اندثر ومنها مازال قائماً، فقد بني فيها أول مسجد مع الفتح الإسلامي، وفيها تكايا عديدة ومن الشواهد التاريخية القنطرة العباسية وخان النقيب والقلعة، والتي تسمى أيضاً بالسنية، وقبة أبو عمر وحمام النقيب ومقهى النقيب. أما أشهر المواقع الأثرية والحضارية فيها، فهي تل اسمر، وتلول العبارة وتل الذهب، وقد يصل تعداد التلول الأثرية فيها إلى أكثر من خمسين تلا، وغير بعيد عن بهرز نشأت مملكة اشنونا الامورية في العصر البابلي القديم، أهلها من الساميين الشرقيين – والكلام للباحث قاسم البهرزي –، وتعد شريعة اشنونا في زمن الملك لبلا لاما من القوانين المتقدمة (1860 قبل الميلاد)، وهي اسبق من شريعة حمورابي، وكذلك سبقت الفرس الساسانيين، وعن هذه الفترة ذكر الدكتور مصطفى جواد في بهرز أنها كانت منطقة بساتين جميلة، وأسست سنة 521 ميلادية على عهد قباذ، إلا أن الحقيقة تدل على أنها كانت موجودة قبل هذا التاريخ بمئات السنين». بهرز في العصر الإسلامي ونسترسل في قصة العشق اللذيذة لبهرز مع الباحث قاسم صالح محمود الذي يواصل حديثه قائلاً: «في سنة 661 ميلادية، أي في السنة السادسة للهجرة، دخلت بهرز الفتح الإسلامي على يد القعقاع بن عمر التميمي وهاشم بن عتبة، و في العصر العباسي شهدت المنطقة مرور خلفاء بني العباس، المنصور والرشيد والمأمون في مدن (النهروان)، وأيضاً نهر ينبع من القاطولي الذي يتغذى بالمياه من نهر دجلة عند منطقة سامراء وينتهي عند مشارف واسط، وفي هذا الوقت بنيت القنطرة المقابلة لسوق بهرز الكبير، وفيه أيضاً ظهر العالم الكبير أبي فرج الحريري الطبري ابن يحيى بن زكريا بن أبي طرارة، وهو عالم جليل درس القرآن والفقه، وأصبح قاضي القضاة في بغداد، وتتلمذ على يديه عشرات العلماء، وكانت ولادته في أطراف بهرز ودفن فيها، لكن قبره قد أندرس، وهو من مواليد عام 303 الهجري». ويضيف محمود: «وشهدت هذه المدة مرور الرحالة العربي احمد بن فضلان ببهرز، وكانت ضمن قصبات بغداد، وفي سنة 454 للهجرة كانت قد تعرضت لفيضانات شديدة من النهر العملاق (تامرا)، ونعني به نهر ديالى الحالي، وفي مطلع القرن السابع الهجري وصف ياقوت الحموي بهرز بالقول إنها قرية كبيرة ذات بساتين وفيها جامع ومنبر، وفيها رواة للحديث النبوي الشريف . أما الفترة العثمانية، فقد شهدت بناء أقدم مقهى ما زال قائماً – وان تغير شكل بنائه-، وهو مقهى النقيب الذي يقع قبالة القنطرة الأثرية المعروفة التي تقع على نهر خريسان وتربط جانبي المدينة، كما بنيت خانات السنية وصبح والنقيب وحمامات عامة «. بهرز المعاصرة.. حياة متواصلة العطاء وسألنا الكاتب خضير العزاوي، وهو من الأسر البهرزية العريقة في المنطقة، عن بهرز المعاصرة، فحدثنا قائلاً: «بعد قيام الدولة العراقية الحديثة وقبلها كان للبهرزيين مساهمة واضحة في الحياة العامة، وشارك عدد من الوطنيين من أهل المدينة في ثورة عام 1920، منهم مخيبر مرهج، وشهدت الفترة الملكية ظهور عدد من الأحزاب التي تدعو للتحرر، وتعمل على تنوير الناس، ويذكر البهرزيون أنهم انتفضوا عند مقتل الملك غازي، منددين بالانكليز، كما شاركوا في معارك عام 1948 في فلسطين، وفي العام نفسه شاركت بهرز في الوثبة الوطنية المعروفة بوثبة كانون. أما الآن، فهي إحدى نواحي مدينة بعقوبة مركز محافظة ديالى، وتتميز بهرز بالكثافة السكانية العالية، إذ يبلغ عدد مواطنيها قرابة (60) ألف نسمة، وتحتوي على ثماني مدارس ابتدائية، وأربع مدارس متوسطة وثانوية ومكتبة عامة، ومركزين صحيين، ونتيجة لتوجه أبناء بهرز الوطني، فقد لاقوا شتى أنواع الاضطهاد والاعتقال السياسي، وتعرضت لإهمال كبير ما زال يؤثر في الحياة العامة فيها». الفولكلور الشعبي في بهرز ويواصل الكاتب خضير العزاوي حديثه قائلا :»اشتهرت بهرز بكثير من المظاهر الفولكلورية، وكان للزواج تقاليده، ومنها أن يولم العريس لأصدقائه الذين يشاركونه فرحته بغناء المربعات والبستات وغالبا ما كان يجري الاحتفال بأحد المقاهي - وهذه المقاهي تتميز بكونها منابر ومجالس للفصل في كل الأمور-، كما يقوم بإرسال الطعام بمختلف أنواعه إلى بيت خطيبته قبل يوم من زفافه «. ويضيف العزاوي :» في العام ( 1930 ) ظهر المقام البهرزي رسميا على يد صبري جاسم محمد الذي غناه في بغداد، وكذلك الملا مهدي، وكان البهرزيون غالبا ما يقصدون منطقة آثار سلمان باك، وباب الشيخ لإقامة الحفلات الغنائية، واشتهر فيها الكثير ممن كانوا يؤدون شتى أنواع الغناء السائد آنذاك، ومنهم كامل مهدي وشياع العزاوي، ونعمان السكني وداود شلال وهوبي البربش وجبارة الحمد، وهؤلاء منهم عازفون ومنهم مؤدون . كما اشتهرت بهرز في مهن الحياكة للعباءة الرجالية والنسائية والبسط والسجاد، وما زالت آلة الجومة التراثية تعمل في المنطقة، وإن كانت قد انحسرت وصارت على نطاق ضيق، وبما ان بهرز منطقة ذات بساتين تشتهر بإنتاج كل أنواع الفاكهة والتمر، فقد ازدهرت فيها المهن الشعبية لإنتاج السلال والأقفاص التي تستخدم في حفظ ونقل المنتجات الزراعية، وكذلك الأسرة المصنوعة من سعف النخيل، فضلا عن حرفة النجارة لصناعة مختلف الأثاث المنزلي، كما أود الإشارة إلى ان هناك مهنة انقرضت منذ عدة عقود، وهي البقالة على ظهور الخيول حيث كان البائع يستخدم حصانا أو بغلا ويتجول في القرى والأرياف النائية ليبيع السكر والشاي والحلويات والتوابل والأقمشة وأدوات الزينة البسيطة من قلائد وأساور، و(طين الخاوة) الذي تغتسل النساء به، ومستلزمات أخرى كانوا يقايضونها بالبيض والدجاج والحبوب المتنوعة، واشتهرت بهرز أيضاً بصناعة افخر أنواع الدبس وشراب الرمان، وغالبا ما تقوم النساء بهذه المهمة، بواسطة معاصر بدائية، وما يميز المرأة البهرزية هو عنايتها الكبيرة بنظافة الطعام، وحسن تدبير المنزل، وعلى ذلك يكون المنتج محط إعجاب المتذوقين» . مدينة مثقفة.. مدينة مبدعة يذكر البهرزيون أن مدينتهم قد شهدت ظهور المكتبات العامة لغرض الاستعارة قبل العام 1946، وأنتجت على مر تاريخها قائمة طويلة من الأسماء المبدعة في كل المجالات، وتحتفظ بثراء تاريخي عميق في مجالات الثقافة والفن، ونتذكر ان أول فلم عراقي (نبوخذ نصر) كان من إخراج المرحوم كامل العزاوي، وهو بهرزي الولادة والنشأة، ومن مساهماته - رحمه الله - انه أسس إذاعة مدرسية في دار المعلمين العالية إبان الحقبة الخمسينية من القرن الماضي. ليالٍ وأخرى تطول وتطول، وبهرز تبقى حكاية الحكايات.. ضيف هذا البياض الباحث قاسم محمود صالح يذكر أن الجواهري العظيم قد زار بهرز في عام 1959 وجرى له مع شاعر العرب الكبير حوار مقتضب عندما التقيا مصادفة في وزارة التربية عام 1969، ويوضح اعتزاز شاعر العربية بنفسه حد النرجسية، وهو حق لعمود الشعر العربي العالي الجواهري، ولا تقف الحكايات عند هذه الضفاف المضيئة، فلطالما اجتذبت ماسة ديالى أدباء ومفكري العراق وفنانيهم.. أتدرون لماذا؟.. إنها بهرز سجل للحضارة والإبداع يحلم كل مبدع أن يقلب صفحاته، وان كان محظوظا، فإنه سيسجل سطرا في هذا السفر الخالد الذي عنوانه .. بهرز .



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2