تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


سراديب النجف حكايا وأسرار.. وتاريخ عريق


الجزء الأول
تحقيق وتصوير: ثابت السراي
أخذت سراديب النجف مأخذها من الحكايات، ورُسمت لها صور كثيرة جدا ونسجت حولها حكايا وصل بعضها إلى مرتبة الخيال، كحكايات الذين قضوا حياتهم يعيشون في تلك السراديب . حجمها وامتداداتها الجغرافية ، وهل هي شبكة كبيرة تنتظم تحت المدينة القديمة ، مدينة علي ابن أبي طالب (ع) ،هذه التساؤلات وغيرها سنسعى  للإجابة عليها.


البحث عن دليل السراديب
تنتهي رحلتنا من بغداد إلى النجف في المدينة القديمة ، وتبدأ قصتنا التي جئنا من اجلها وهي (السراديب) ،سراديب النجف لنقرن الحقيقة بالانطباعات التي استوحيناها من القصص والحكايات الكثيرة عن هذه المنازل الأرضية أو الممرات وقيل أنها مدن عامرة تحت المدينة الحالية لا يعرفها ألا أهل المدينة وليسوا كلهم بل القلة منهم يعرفون حقيقتها وخرائطها .وما أن تصل ضريح الإمام حتى تتساءل في نفسك أين هي سراديب النجف هل هي تحت أقدامنا وسط الشارع، وهل ترتبط بأنفاق وممرات كما يقال، وهل وهل ... وتكثر الأسئلة وتنشغل النفس بالبحث عمن تستعين به ليفتح ملفات الأسرار الكثيرة والكبيرة أمام تحرز أصحاب تلك السراديب وحرصهم على ألا يبوحوا بكل ما يعرفونه إن قبلوا بالكلام أصلا .
ونبدأ البحث عن شخص يسمى(دليل السراديب ) وهو اعلم بأمور هذه المدينة (تحت الأرضية) ذات الطوابق الكثيرة ، ونلتقي بالرجل ،انه دليل السراديب لكنه بحاجة إلى استحصال موافقات الجهات الدينية في المدينة لكي ننزل إلى تلك السراديب ،وان كنا نبحث عن سرداب أو سردابين فان القضية سهلة لان أصحاب المنازل في المدينة القديمة بمقدورهم ان ينزلون بنا إلى سراديب منازلهم ،لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد لان هذه السراديب قد أغلقت بفعل فاعل كما يؤكد الدليل، ونحن بحاجة إلى تفحص الممرات التي تربط بين تلك الأنفاق لنرى إن كانت تمثل مدينة تحت مدينة أم لا.

سرداب الوهابية
المهمة الأولى هي الحصول على ترخيص من آل كاشف الغطاء لندخل اكبر سرداب في النجف وهو سرداب الوهابية الذي يعجز دليلنا عن تحديد تاريخ واضح ومحدد لنشأته وتأسيسه فهو يحمل في داخله أقدم باب لضريح الإمام علي (ع) الذي استبدل قبل أكثر من 200 عام، ونقل مباشرة الى سرداب الشيخ جعفر الكبير الجد الأكبر لآل كاشف الغطاء .
حصلنا على الرخصة ومعها دليل آخر وهو من العائلة ،انه ابن بنت آل كاشف الغطاء (علي) الذي يملك معلومات كثيرة عن سرداب أجداده ،وسبب تسميته بسرداب الوهابية ،يقول علي جاءت التسمية من دور السرداب في رد الحملة الوهابية التي شنت لاحتلال النجف وهد ضريح الإمام علي ابن أبي طالب ،وكان دور السرداب كبيرا في الالتفاف على المهاجمين وردعهم فسمي بسرداب الوهابية .
دخلنا الدار الكبيرة التي تقع على مقربة من ضريح الإمام في النجف ،وفتح لنا باب صغيرة مخفية في إحدى جنبات الدار، دخلنا السرداب المهجور منذ سنوات طويلة ، وكان الظلام يلف المكان بأكمله والرطوبة التي اجتاحت جدران السرداب جراء المياه الجوفية ، فنزلنا طبقة أخرى حتى وصلنا إلى الطبقة الرابعة تحت الأرض ، وهناك ثلاث طبقات فوقها في كل طبقة دار مشيدة بغرفها وبنائها وزخارفها مع نظام تهوية دقيق ومحكم لا يمكن الوصول إليه  الا من قبل المعمار الذي أسسه كما علمنا من قبل أصحاب السراديب .

الخارطة الثمينة لمدينة السراديب
إنها منازل بطوابق عدة تحت الأرض ونظام تنقل وممرات تقودك إلى داخل المدينة ترتبط هذه السراديب بعضها بالبعض الآخر لتؤسس مدينة تحت الأرض بمنازل مترابطة في ما بينها، ولها طرقات وان كانت تتسع لشخص واحد إلا أنها تؤمن التحرك والتنقل بين نواحي المدينة .
الدليل الذي رافقنا يؤكد أن الجهة الوحيدة التي تمتلك الخارطة القديمة للمدينة (تحت الأرضية) تلك ،هم جماعة من مشايخ التيار الصدري حيث يحفظون النسخة الوحيدة من خارطة السراديب والممرات التي تربط في ما بينها، وتخرجك من المدينة إلى بحر النجف او إلى الكوفة و مقبرة وادي السلام وبالتالي فان تلك الخريطة وأمر الاطلاع عليها أشبه بالمستحيل .
توقفنا عند مسافة لا تزيد على 10 أمتار بعد بوابة ممر سرداب الوهابية الذي قطعناه بظلامه الدامس على نور المصابيح اليدوية ،ووصلنا لدربونة ضيقة تتسع لشخص واحد تلتف بشكلها الحلزوني متجهة الى الأسفل باتجاه قبر ضريح الإمام (ع) ،وعدنا أدراجنا لكن رغبة النفاذ ولو من سرداب الى آخر لا يزال يعتمل في صدورنا.

وننتقل إلى سرداب آخر
علي حفيد آل كاشف الغطاء قادنا إلى بيت كبير مجاور لدار جده وهي دار تعود للعائلة ، مهجورة هي الأخرى ومظلمة نزلنا إلى سردابها حيث  يظن علي أنها قد تقودنا الى ما بعد النفق المسدود ، المكان مظلم والباب السرية مفتوحة، أسفل الباب سلم لولبي أتقنت فيه الصنعة المعمارية فتساوت كل قياساته وتناسقت مع دورانه بشكل رائع وجميل ،نزلنا في السرداب وتكونت لدينا قناعة لأول وهلة بأنه الأكبر من بين سراديب النجف لاسيما وإنها المرة الأولى التي نرى فيها سرداب وبهذه الهيئة المعمارية...
 يسرد لنا علي تاريخ هذا السرداب الذي هو جزء من سرداب الوهابية ايضا ،يقول “أنشأه المرجع الديني الشيخ جعفر كاشف الغطاء عام 1156- 1228 هجرية، وقد استخدم إبان الحملة الوهابية في مقاومة الغزو القادم من صحراء نجد، وكانت الجولة في هذا السرداب طويلة جدا وخطيرة، لاسيما ان الزمن قد اخذ مأخذه من السرداب وزواياه وأركانه القديمة وتهرأت مسانده الحديدية وما أن تمسك جزءا منه حتى تنهال  عليك كميات من الأتربة، والأرض من تحتنا تهتز فيما يضغط الهواء الرطب على الرئتين فيضيق النفس وتشعر بالبرودة الرطبة  المختمرة بعبق التراب وطين باطن الأرض وهو شعور غريب وجميل في الوقت ذاته .

السن والنيم سن والجان...
كان ذلك الطابق الأول من السرداب ،المنظر فيه  غير مألوف‘ غرف وقاعة وممرات جانبية وفتحة تهوية كبيرة ينزل منها النور، والجدران صنعت فيها رفوف جانبية وأقواس وخزانات وكان (علي) يفتح لنا باب فندخل منه لنجد أنفسنا في غرف أخرى غير التي دخلناها ثم نلف إلى جانب آخر فيقول: إننا قد عبرنا الشارع العام وصرنا في الجهة المقابلة تحت الطريق العام، ومن بعد يأخذنا إلى سلم آخر في غرفة أخرى من طراز آخر وننزل إلى طابق ثاني تحت الأرض ونجد شيئا يختلف، ممرات كبيرة وغرف اكبر، انه (النيم سن) وهو سرداب متوسط يعتبر مجازا بين السرداب الأول وسرداب (السن) ، والسن عند أهل النجف هو الصخر او السرداب المحفور بالصخور التي تنتهي بها طبقات الأتربة تحت الأرض لتصل الى مسافات يزيد عمقها على 10 أمتار تحت الارض ،ويطلق هذا الاسم على الطابق الثاني من السرداب، ثم نهبط إلى طابق ثالث يكون أقدم وأكثر تضررا والأغراض مبعثرة فيه وبداخله بئرا مملوءة بالماء ،ويقول دليلنا: إن في هذه البئر خزنة من النقود الذهبية كما تقول جدته لأمه وقد أخفيت على زمن العثمانيين وتوفي الشخص الذي أخفاها قبل أن يدل اهله على مكانها فبقيت مخفية حتى اليوم، ويذكر لنا علي: هنالك أرواح أو جان أو مشابه تسكن المكان  كما تبين الروايات وما يتناقله سكان النجف ،وعلينا التطبع والتكيف مع الوضع إذا ما سمعنا أصوات أو رأينا  أشياء أخرى ...
لم نستطع الخروج من السرداب وطوابقه، وكان الأمر أشبه بالمغامرة واكتشاف معالم حياة غريبة لطالما سمعنا عنها ونسجت حولها حكايات كثيرة، وإنها قد هزت امن الأنظمة التعسفية في العقود المنصرمة، الشاب يروي لنا ما سمعه عن أهله عن الأسلحة التي كانت موجودة إلى وقت قريب ونقلت عن طريق أخواله من آل كاشف الغطاء إلى أماكن أخرى ،ويعود تاريخ هذه الأسلحة إلى زمن الحملة الوهابية أو ثورة العشرين أو ما تلاها من أحداث مر بها العراق وكان اغلبها ينطلق من النجف وسراديبها ، دليلنا والشاب علي يؤكدان أن هذه السراديب كانت مجالس للدرس والعلم وحلقات دراسية لمشايخ وعلماء النجف في أزمان متعاقبة كان الضغط فيها يطبق بوسائله على أهالي النجف ومنابرها العلمية، فالشيخ الكبير استخدمها لحماية النجف من الغزوات، واستخدمها لتكون ملجأ وحصنا يحتمي به المراجع والشيوخ والثوار ،وأحصى لنا قرابة الـ300 كتاب ومؤلف، قد الفت ولحقبة لا تتجاوز الثلاثين عاما، في هذا السرداب حينما كان العلماء يعكفون على الكتابة والبحث والتحقيق في السراديب هاربين من بطش السلطات بينما يوفر لهم مراجع الدين كفايتهم من مؤن الحياة .

الفن المعماري للسراديب
السراديب تبنى بنظام القباب فيكون سقف كل غرفة في السرداب عبارة عن قبة لها أضلع مثمنة ومربعة تسند الثقل المتراكم على السقف إذا ما علمنا أن الطابق الأرضي للدار والطابق الثاني والثالث إن وجد يستند أو يرتكز على هذه السقوف وهي سقوف مقوسة بلا أي أعمدة أو جسور حديدية ساندة، وبين انحناءات قباب سقوف السراديب توجد مثلثات مجوفة تتشكل طبيعيا بين انحناءات القباب، هذه التجاويف الكبيرة تكون مخابئ سرية لا يمكن لأي مخلوق الوصول إليها سوى صاحب السرداب ، وحتى أولادهم لا يعرفون لها طريق لكن هنالك من أباح بسر ثم لجم لسانه فهو يعرف شخصا يمكنه إن يطلعنا على أسرار هذه المخابئ السرية وهو ذو دراية بكل قفشات وإستراتيجيات السراديب ،الاسم الذي ذكر أمامنا هو (الدامرجي) .

سراديب الدامرجي وقصة البئر العباسية
بحثنا عن هشام الدامرجي ووجدنا من يقودنا له فهو أتقن فن الاختباء لأنه كان من باعة الكتب الدينية المحظورة ومطلوب لسنوات طويلة لمخابرات النظام السابق ومهرب من الطراز الأول للكتب النجفية، إلى سوريا ولبنان تطبع وتنشر للعالم وتعود مطبوعة إلى العراق مع الاحتفاظ بالأصول، فيراه المشايخ في النجف صاحب فضل كبير عليهم لأنه وفر لهم ما كانوا يبحثون عنه طويلا ،وجدناه بعد يوم بليلته من البحث والتقصي وقد وافق على أن يقودنا في اليوم التالي في جولة بدارهم التي تضم اكبر سرداب وأقدم سرداب في النجف ولديه ما يثبت كلامه وهو البئر العباسية.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2