تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


العلّامة الراحل الدكتور حسين علي محفوظ .. بغداد مدينة عجيبة


علي ناصر الكناني
حياة العطاء والفكر
ولد العلامة الدكتور حسين على محفوظ عام 1926 في مدينة الكاظمية ببغداد في اسرة ينتهي نسبها الى شمس الدين محفوظ بن وشاح محمد الاسدي الحلي وكان من علماء الامة ورجالات العراق في القرن السابع للهجرة .وآل محفوظ من البيوتات العربية القديمة التي كانت في الحلة وحتى اواسط القرن الثامن فانتقلت الى لبنان ثم عاد جدهم الشيخ حسين محفوظ الى العراق سنة 1786 م فسكن الكاظمية في محلة التل وهي محلة العلماء والسادات والاشراف والبيوتات العلمية العريقة والمعروفة .


سالته مرة ان يوجز لي بكلمات قلائل ما تعنيه عنده هذه الاشياء الحب والدين والانسان والتاريخ فقال :
الحب اجمل ما نعطي واجمل ما نأخذ والدين هو الحب والحب هو الدين والانسان بنيان الله ، ملعون من هدمه .. اما التاريخ كحصيلة فهو مرآة الزمن وقد كثر فيه الكذب والزور ، واختلط فيه الحق بالباطل ولهذا على المؤرخ ان يكون مخلصا ودقيقا وصادقا وامينا في نقل الحقيقة .

 بغداد أم الدنيا
قلت له: ماذا تعني لك بغداد التي عشقتها واحببتها ؟
فقال مستذكرا ما استوحاه من معان ودلالات عميقة استنبطها من أحرفها الخمسة : كلما ذكرت بغداد اوحت الي حروفها الخمسة من الاعماق والافاق مالا اعدده .
فتشير الباء الى البراعة ، والغين الى الغنى ، والدال الى الدعة ، والالف الى الاباء .
والدال الاخيرة الى الدراية . لقد جمعت ما قالوا في بغداد  في كتاب مخصوص ورسمت ( صورة بغداد في التراث ) في رسالة طبعتها الامانة في سنة 1986، وكرر طبعها الاستاذ محي الخطيب قبل سنين، وللمرحوم السيد جمال الاوسي كتاب مستطرف ، جمع فيه ما وصل اليه اشهر الشعراء في بغداد واقترحت في اواخر الخمسينيات (ألفية بغداد والكندي ) وقد قامت احتفالات بغداد والكندي في شتاء 1962 ، وقد جمعت ألفية بغداد العالم ، والتقى فيها الشرق والغرب ، وباركها العلماء والفضلاء والمختصون . وحياها الفيلسوف ( براتراند رسل ) برسالة صوتية ما زالت تملا الاسماع . قالوا في بغداد ما شاءوا ، وهي فوق ما قيل . قالوا ( عين العراق ) و(جنة الدنيا ) و( جنة الأرض ) و ( حاضر ة  الدنيا ) و ( مصر العرب ) و ( المدينة العظمى ) . وقالوا ( البلدة الحسناء ) و( مدينة العلم وينبوع الآداب ) . وانا اكتفي من اسماء بغداد بلفظ (بغداد) ، ومن اوصافها وصفاتها بــ (مدينة السلام ) اي مدينة الله ، والسلام من أسماء الله الحسنى . واكتفي من كناها بــ (ام الدنيا ) ومن القابها بــ ( سيدة البلاد ) . قالوا : حدث عن البحر ولا حرج ، وانا اقول حدث عن بغداد ولا حرج . بغداد سماء مرفوعة لا تطاولها سماء ، وبحر لجي لا يساجله بحر هي الدنيا باجمعها وسكانها هم الناس . قال الامام الشافعي ( رض ) ليونس بن عبد الأعلى : يا يونس ! دخلت بغداد ؟ قال : لا . قال : يا يونس ، ما رايت الدنيا ، ولا رايت الناس ، وهو قول ما وراءه قول . اسست بغداد في سنة 145هـ ( 762م) وتمت في سنة ( 149 هـ (766) م . وعمرها في هذا العام 1265 سنة قمرية . بغداد وهي تعانق اثني عشر قرنا ونصف قرن تقريبا من عمرها الطويل المديد ، هي شيخة شابة ، ما زالت في غضاضة الغصن وعنفوان السن ، تختال في ثياب الجمال والشبيبة وحلل الفتاة والحسن . هذا في الاسلام . اما في تاريخ العراق القديم ، فان بغداد ترجع الى الالف الثاني قبل الميلاد ، اي ان عمر بغداد يزيد على اربعة الاف عام . وهي سيدة المدن الباقية ، وست البلاد وحديثا من قبل ومن بعد .

أحداث في حياته
لقد حفلت حياة العلامة محفوظ بالكثير من الاحداث التي مرت على مدى سنوات عمره التي تجاوزت الثمانين بثلاث والتي استذكر منها ما حدثني به خلال احدى اللقاءات الصحفية التي اجريتها معه بخصوص زيارة المازني للعراق يوم كان الدكتور محفوظ ما يزال طالبا في دار المعلمين العالية وقد حياه بقصيدة ارتجالية قال في بعض ابياتها ردا على الكلمة الرائعة حسب وصفه والتي ألقاها المازني في حينها حيث قال :
لا فض فوك فقد أمطرتنا غررا
                       تزين عاطل جيد القول بالدرر
فانبرى له احد زملائه من طلبة الدار وبصوت عال قائلا له :
( لا فض فوك ولا وظفوك ) فكانت هذه العبارة قد وافقت القدر في حينها ، فتاخر تعيين محفوظ عن بقية زملائه ليعين فيما بعد خارج بغداد على الرغم من استحقاقه انذاك ليكون معيدا في نفس الدار كونه من الاوائل وبدرجة الامتياز .
اللقاء بالعقاد مخرج فيلم الإمام الحسين الذي لم يعرض !!!
كما ذكر لي ايضا انه التقى مرة بالمخرج العربي الراحل مصطفى العقاد مخرج فيلم الرسالة الشهير وذلك في السبعينات من القرن الماضي قائلا : لقد دعاني الشاعر الكبير عزيز اباظة خلال زيارتنا للقاهرة الذي عرفت عائلته بكرمها ودماثة اخلاقها ، حيث كانوا يدعون المجمعين في كل عام في بيتهم لتناول العدس الاباضي في قريتهم ، وصادف ان كان من بين المدعوين المخرج العربي القدير المرحوم مصطفى العقاد، ودار بيننا حديث بشان انتاج فيلم خاص عن الامام الحسين (ع) وواقعة كربلاء فاخبرني بانه باشر به وانجزه ولكن لم تحصل الموافقات على عرضه وقال انه اطلع على الموضوع ثلاثة من الشخصيات العراقية المعروفة ، وفي تصوري ان الدكتور احمد الوائلي هو احدهم ، وحينما طرح العقاد تساؤلا على الدكتور عبد الرزاق محي الدين رحمه الله والذي كان موجودا ايضا معنا حول هل هناك مانع شرعي بهذا الخصوص فقال له :
اسالوا الدكتور حسين على محفوظ عن ذلك ، فاخبرتهم اذا كان في ذلك خدمة وفائدة للاسلام فلا باس في ذلك ولكن رغم ذلك لم تحصل الموافقة على عرض الفلم ولا ندري ما آل اليه مصيره بعد وفاة العقاد .

هموم الكبار
في منتصف عام 2007 وجه علامة العراق وفقيده الراحل الدكتور حسين علي محفوظ رسالة خطية الى الاستاذ الدكتور الشيخ همام حمودي عن خبر سمعه بان الدكتور محفوظ يروم بيع مكتبته مما دعاه الى ان يخبر من حمل اليه هذا الخبر وهو الشيخ قاسم البيضاني الذي اراد بدوره ان يتأكد من صحة ذلك بانه سيرد على الشيخ حمودي برسالة وقد زودني قبيل وفاته رحمه الله بصورة منها وقال لي في وقتها  معلقا على ذلك بقوله :
من المؤلم ان يلجا البعض لبيع كتبهم من اجل الحاجة وهذا ما حصل لعدد كبير من رجال العلم والمعرفة لظروفهم العائلية الصعبة وكاني اقول .. ان الكتابة هو صديق العالم وهو مادة العلم والمعرفة ،  فالواجب أن يكتفوا وان لا يحوجهم احد لانه لا يجوز ان يضطر العالم لبيع كتبه وان نسعى جميعا لمعاونة العالم لتجاوز ازمته .

سرقوا المخطوطات وسلبوني سلبا
وقد تعرضت للنوبة القلبية ، لما اعتدوا على البيت ، واخذوا المخطوطات غصبا وسرقوا عيونها ونهبوها نهبا ، وسلبوها سلبا . في عام 1972 م. وما زلت عليلا مريضا مهيضا ، منذ ما يزيد على ثلاثة عقود ، ولله الحمد .
وتعجبني ابيات شاعر ( المهدية ) في شمال افريقية قال :
قــالت وابدت صفحــة       
                       كالشمس مـن تـحت القنــاع
بـــــعت الدفاتر ، وهي
                        أخـــر مــا يباع مــن المتـاع
فاجبتها ، ويــدي عــلى 
                          كـــبدي ، وهمت بانقطـــاع
لا تعجبي مما رايــــ     
                        ــت ، فنحن في زمن الضياع

اجل نحن في زمان الضياع كما قال .
انا ايها الولد الكريم الاخ الاعز ـ في اخريات الطريق وثنيات الوداع . ذرفت على الثمانين ، احمل اثقال السنين ، وانوء باعباء العمر ، وتتكادني تكاليف الحياة ، ( ومن يعش ثمانين حولا ، لا ابا لك ...).
شاب الرأس وانحنى الظهر ، وضعف البدن ، وحال اللون ، ومال الشق ، وكلّ البصر ، والتقى الماء الابيض والماء الاسود في العينين ، والحمد لله.
تمنى ان ارى ا سعداء ، ولو في المنام . اتمنى ان يفكر الكل في الكل، اتمنى ان يبتعد كل عن ذاته ، ولو بمقدار شعرة  . اتمنى ان يفكر كل في غيره ، ولو بمقدار دقيقة .
واوصيكم بالعراق ، أوصيكم بالعراق ، العراق عين الدنيا ، وقلب العالم ، ومركز البلدان . جنة عدن ، ومهبط ادم ومولد الإنسان . بدء التاريخ ، بداية الحضارة  ، مبتدأ المدنية . طوى الزمان وارتقاء الدهور , واستوى على العصور والأزمان .
ولا تحتاجون إلى الوصية ، و( الابل على غلظ أكبادها تحن  إلى بلادها) . وحق الوطن  ومن العناية والرعاية والاهتمام ما ينبغي له . وفي عهد امير المؤمنين علي بن ابي طالب ( عليه السلام ) الى مالك الاشتر لمّا ولاّه مصر ما ليس يصح ان يتجاهل ويهمل ، وما لا يجوز ان ينسى ويغفل . وفي رسالة الحقوق لزين العابدين علي بن الحسين السجاد ( عليه السلام) ما لابد من الاطلاع عليه ، والعمل به . وقد قال عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ ان الباقر ( عليه السلام ) علمه قواعد العدل وأصول الحكم . وانه أوصاه ان يكون للكبير ابنا ، وللصغير أبا ، وللقرين أخا .
وأوصيكم بالجيل الراحل ، الجيل المفارق ، الجيل المسافر ، الكبار ، والرموز ، والأماثل ، والرواد. أولئك الآباء ... سوف لا نرى أمثالهم ، سوف لن نراهم.
وإذا كان في مصر طه حسين ، والعقاد، والمازني ، والزيات ، وتوفيق الحكيم ، ونجيب محفوظ ... ففي العراق اضعافهم ...(عد عن ذا ) ( ودع عنك نهبا صيح في حجراته ) ... ارجو ان نعرف العراق حق معرفته ، وان نقدره حق قدره ، ان يعرف العراق حق معرفته . ويقدر حق قدره ...
وسلامة لكم ، وسلام عليكم جميعا ، مع التحيات والادعية والاماني .



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2