تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


اسمُها: زَها حديد


حين طلبتْ مني صديقتي المبدعة "عالية طالب" كتابة عمود للمجلة العراقية "نرجس"، التي تهتم بشأن المرأة، لم أتردد برهةً في تحديد موضوعي الأول، والشخصية التي ستكون بطلَ مقالي. والحقُّ أن تلك الشخصية ظلت تشغلني لسنوات، أتابع أخبارها بفرح طفلة، وفخر أمّة بأسرها، وكلما هممتُ بالكتابة عنها، أجدُ أن حجم ما بداخلي أعلى من مقدرة الكلمات وطاقة مداد القلم، فأُرجئ الكتابةَ حتى تتوازن


 الكفّتان. هي أهم شخصية نسائية معاصرة، ليس عربيًّا وحسب، بل عالميًّا. في رأيي، ورأي جموع المهتمين بالشأن المعماريّ. حينما كنتُ طالبةً بكلية الهندسة، قسم العمارة، جامعة عين شمس المصرية، أخبرنا الأساتذةُ بأن أهم معماريي العالم العربي عراقيون. يعددون أسماء أبرزهم، فيشرقُ اسمها كعصفور الجنة وسط باقة من الزهور الأخرى. زهرةٌ أنثى. اسمها زها حديد، أهم وأرقى معماريي العالم المعاصر، ولا يمكنكَ بحالٍ أن تذكر أسماء خمسة من أشهر مصممي العالم الحديث دون أن تبدأ باسمها. والعمارة، كما نعلم، هي أمُّ الفنون الستة، كما حددها الإغريق: العمارة، النحت، التشكيل- المسرح، الشعر، الموسيقى، حيث الثلاثة الأوَل تعتمد على الإيقاع المكانيّ أو الأبعاد، بينما تعتمد الثلاثة الأخرى على الإيقاع الزمانيّ. ومن هنا فإن البارع في فن العمارة، هو بالضرورة قابضٌ على جمرة الفن بشموليته، مختزنٌ طاقته بكاملها في روحه. فماذا حين نتكلم عن قامة معمارية سامقة، استطاعت تصميماتها ومبانيها أن تحفر اسمها في سجّل العمارة إلى الأبد! وماذا لو كانت تلك القامةُ امرأةً! تكون إذًا قد قبضتْ على خيط الحُسن من طرفيه، إذا ما سلّمنا بأن الجمال الوجوديّ في هذا العالم: امرأة. وهو ما دعا الفلاسفةَ المحدثين، والقدامى، إلى تبنّي مذهب "تأنيث العالم"، بمعنى الانتصار لقيم الجمال والعدل والرقي والحق في الدنيا. حين تتأمل مبانيها القلقة غير المستقرة، التي كأنما ترقصُ خطوطُها رقصةً ناعمة حينًا، ورعوية شرسةً حينًا آخر، يخاتلك الشكُّ بأنها لا تمسك، مثلنا نحن المعماريين، قلم رصاص أو رابيدو، أو حتى ريشة ألوان، بل ترسم مبانيها الفريدة تلك بريشة طائر حرون لا يعرف ما السكونُ، وما السكينة. طائر تعلّم كيف يحلّق في العلا، وأغفل أن يتعلم كيف يحطُّ على شجرة أو على حافة جبل. أبديُّ التحليق، لا تكلُّ جناحاه عن الخفقان. تجيد اللعبَ بالخط المنحني الراقص، مثلما تجيد اللعب بالخط المستقيم الحاسم كنصل سيف. ثم تجمع ذلكما الشتيتين اللذين ظنّا كلَّ الظن ألا تلاقيا. في صالة الألعاب المائية الأوليمبية بالبحرين، صنعت حديد ما يشبه القوقعة الضخمة التي ترتكز على الأرض من أدقَّ نقطة في قاعدة القوقعة، ما يُشعرك بأن المبنى سيغافلك ويقع. ثم تأخذك الفانتازيا بعيدًا وتفكرُ أنه يقف، ولا يميل ولا يقع، فقط لأنه يريد ذلك، وليس بفعل الحسابات الإنشائية والرياضية الدقيقة المعجزة! كأنما تودُّ حديد أن تقول إن بناياتها لها إرادتها الخاصة، التي تقرر بها أن تستقر، أو تميل، وقتما تريد. والكلام، ولو بالمرور السريع غير المتخصص، عن أعمالها المعمارية، التي تجدلُ على نحو بارع، الأسطورةَ بالمعاصرةِ بالواقع بالوظيفة، يستغرق مجلدُا ضخمًا، تضيق عنه سطور مقال عابر كهذا. ويعدُّ، كذلك، لونًا من الاختزال المُخلّ الذي لا يليق بعالِمةٍ عراقية شاهقة العلوّ مثل زها حديد. ويكفي أن نعلم أن خبراء متخصصين اختاروها لتكون على رأس مائة أهم شخصية عالمية بارزة تركت بَصْمتُها الفكريةُ دويًّا ذائعًا في مجالها، واحتلّ اسمُها مكانَه الرفيعَ في استفتاء تايم 100، الذي تقيمه سنويًّا مجلة "تايم" الأمريكية. فازت زها حديد بأرفع الجوائز العالمية من البلدان المتحضرة التي تقيّم العقلَ والموهبة والعمل، منها جائزة Pritzker Prize، التي تعادل جائزة نوبل، ولكن في مجال العمارة. فمتى تكرّمها الدولُ العربية "النائمةُ"، كما يليق بموهبة عملاقة صنعت للعروبة اسمًا كونيًّا؟ من المستحيل تقريبًا أن تعثر بإنسان غربيّ لا يعرف مَن هي زها حديد، فمتى نطمع في مثل هذا في عالمنا العربي التعس؟



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2