تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


صورة قلمية انثيالات غبارية


حين تمسكني اللحظة الشعرية، وتقبض على أجنحة الروح، يعاودني ذلك الحنين إلى جحيم منتظر آخر. كان ذلك منذ زمن، حين كنت أخشى مخالطة الآخرين لان في صدري إحساساً هجيرياً كالطعنة


-1- . وحين أخلع قناع الشعر، يلطمني إحساس قاسٍ، فأكاد أوقن أنني كمن يخوض لعبة امتحانية تبدو في ظاهرها مقنعة، لكنني وحين أتوسط حلقة الأصحاب أبدو كالنغمة النشاز في هارمون حياتي منفلت، لاسيما حين اطرح نظريتي الفذلكية في الكون وأنا أتحدث بثقل خاص، وأقارن بين ذاتي البالونية وبين ما يجري في الساحة العقلية، وأتساءل: أحقاً انني على قيد الخارطة العقلية. كائن تعترف به العقول الأخرى أم انني محض شبح يتخفى في سراديب كلمات من صنع أكلةٍ دسمة.. إنها اللحظة المضحكة حين اكتشف ان كل ما يدور في رأسي ما هو الاّ استهلال لنبيذ الحزن الذي يملأ صدري وأنا اقبع أمام إحدى البنايات الرسمية – كاتب طابعة – في انتظار من يطبع مظلمته على طابعتي الأربعينية الميتة. -2- حين تمسكني أصابع الكلمات، انقاد اليها كصبي صغير، فمن عاداتي السيئة الاّ اتريث لتأمل انجلاء الموقف لألقي بأوراقي على الطاولة وأقول: ها انذا.. ذلك وهم في الذاكرة . فمن العادات السخيفة ان تكون عبداً لعادات كالقيود حتى لو كانت حميدة، وهذا ما كنت أخشاه، وتظل اللعبة على ضبابيتها وغموضها المحبب . فلا اعرف كيف القيت بآخر أوراقي.. لا على طاولة الشعر وانما في جيوب الآخرين لأخرج بعدها عارياً كما ولدتني أمي، الاّ من قلب مهدد بالسكة الفكرية. -3- في سرداب قديم تنضح من مساماته الحجرية روائح عفنة غابرة, كنت هناك. وجدت فيه حلماًَ نهشني من زمن غابر ,هو مسكن لصديق طيب، تعرفت اليه في مناسبة لم أعد اذكرها. وكل ما اذكره ان هذا الصديق حكيم، ذو عقل راجح، وإصبع ذهبية – في الرسم – لها القدرة ان ترسم حتى بكاء الروح، وإرهاصات العقل. دخلت السرداب متهيباً، وجلاً، لاسيما وأنا أرى اللوحات واسمعها وهي تبوح كالبشر تماماً.. فداخلتني الرهبة كالسكين، وتساءلت: أيكون ما يحدث واقعاً أم انه الوهم الذي يرتديني قميصاً! ذلك انني مهووس بشيء اسمه الغموض! انه الفضاء الذي يقودني الى سفني التائهة، كان كل شيء يتحرك في ما حولي ويبوح: اللوحات، والألوان، والإطار، وحتى الحجارة المضمخة بتاريخ قديم. هجست انها تناديني. وتقودني بيدٍ غبارية الى حزن مخبوء تحت البلاط (الفرشي) تأملتها، واصغيت الى نشيجها القاتل. وعلى غير توقع مني، وجدتني اخلع ثيابي، وغلق الباب، لا تعرّى كطفل نزق.. لماذا؟! حدث ذلك بطريقة لا يدركها العقل، ثم تمددت على البلاط، وكانت اللوحات تلقي بشظايا كلماتها الخبيئة على جسدي الذي تحوّل الى وجع معلن! -4- يقول بورخس: لقد دخلت هذا القرن على رؤوس أصابعي.. فمن حقي ان اخرج منه على رؤوس أصابعي أيضاً. ويقول أيضاً: ان آلهة البشرية.. هي المخيلة. ويقول بكبرياء غريب: ان الموتى لا يقدمون التحية لأحد.. الآخرون هم الذين يلقون التحية.. إذن على القرن الحادي والعشرين ان يرفع قبعته بمجرد ان يقترب من قبري. ثم يقول بلغة كالجمر: ان روحي تحترق.. ذلك انني أرغب في المعرفة.. والآن.. أتأمل هذه الكلمات وأتشرب جزالتها اللفظية والفكرية، وأتسمع بقلب مرهف الى جرسها الراقص الذي يمسك بقبضة من العبق الروحي. فأكاد أموت على محراب المفردة واخضرار الشعر، لا تحوّل في النهاية الى غيمة قطنية هادئة.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2