تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


التبني روح التكافل الاجتماعي في المجتمع العراقي


نرجس / سها الشيخلي – نورا خالد
عدسة / ادهم يوسف
سجلت دور الدولة لرعاية الأطفال ارتفاعا ملحوظا في طلبات تبني الأطفال مجهولي النسب من قبل العوائل العراقية في وقت مازال يدور حديث واسع داخل العراق وخارجه عن أشكال وأساليب مختلفة للمتاجرة بالأطفال. التبني ظاهرة تفرزها المتغيرات الاجتماعية التي تحصل في الكثير من المجتمعات، وبرغم اختلاف وجهات النظر عنها فإنها باتت أقرب إلى الأمر الواقع، كونها تحمل في طياتها دلالات إنسانية. ويتلخص التبني في أمور كثيرة، منها العقم الذي يصاب به الرجل والمرأة على حد سواء، أو فقدان الآباء والأمهات في الحروب والكوارث الطبيعية وتبني العوائل أطفال المفقودين،  فضلا عن مجهولي النسب الذين تضج بهم معاهد الأيتام.


ومهما تكن الأسباب فان الحالة هذه تفرض علينا النظر فيها والتعرف عليها من كل جوانبها  الدينية والاجتماعية والأخلاقية.
 التبني أم أطفال الأنانبيب ؟
  مدير دور الدولة  فارس عزيز يتحدث عن الموضوع  فيقول :- إن الإقبال على التبني مرتبط بحرمان بعض العوائل من الأطفال،هو أحسن بكثير من العمليات الجارية الآن في استحداث أطفال الأنابيب وأكد  وجود ضوابط قانونية صارمة تحكم عملية تبني الأطفال أو ضم الطفل إلى العائلة مع احتفاظه بنسبه  ، والتي تتم عن طريق المحكمة ، التي تحيل الطلب إلى دائرة الرعاية أو بالعكس ، حيث يحضر الزوجان إلى الدائرة ويقدمان طلب الضم أو التبني إلينا ، وتجري  المحكمة الكشف اللازم الذي يتناول الحالة الأمنية والصحية والأخلاقية والمادية للأسرة الراغبة في الضم أو التبني .
ويؤكد عزيز  إن مراكز الشرطة تعد المصدر الأبرز للأطفال مجهولي النسب الذين يدخلون دور الدولة.
ويحظى ملف الأطفال في العراق باهتمام واسع محليا ودوليا، نظرا لما تقول المنظمات المختصة انه عملية استغلال واسعة لأطفال العراق الذين يعانون من صعوبات متعددة في ظل الزيادة الواسعة في أعداد الأيتام، الناجمة عن أعمال العنف.
رئيسة جمعية الندى  لرعاية الأطفال المحامية أمل الموسوي حذرت من إمكانية استخدام التبني وسيلة للمتاجرة بالأطفال.
ودعت الموسوي  الجهات الحكومية إلى ضرورة توفير ضمانات أكيدة لرعاية الطفل، وإعداده إعداداً سليماً للمستقبل.  
                                       
التكافل الاجتماعي 
وتقول المحامية زينب إبراهيم :                                
من اللافت للنظر  إن الظاهرة الايجابية اليوم في المجتمع العراقي تتمثل في عودة روح التكافل بين الناس، إذ بدأ الناس يظهرون رغبة عالية في التعاون في ما بينهم بدلاً من الاتكال على مشاريع الدولة، التي باتت تتأرجح بين السلب والإيجاب ، ذلك إن تبني الأطفال اليتامى والفقراء من قبل العوائل أثبت نجاحاً كبيرًا قياساً إلى النجاحات في مراكز الإيواء ، حيث الشعور بالغربة هو السائد لدى الأطفال ، إلا أنه مازالت في العراق عقبات اجتماعية وقانونية تحول دون تشجيع العوائل على تبني أطفال انقطعت بهم سبل العيش نتيجة لفقدانهم الآباء والأمهات ، في ظروف أمنية شابها القتل والتشريد ..
في إحدى دور الرعاية في بغداد  كان أبو عامر من محافظة ديالى  مترددا في إيداع أبناء أخيه الذي فقد في الأعمال المسلحة عام 2008 ، لعدم قدرته على تكفل معيشتهم، ورغبة زوجته في عدم بقائهم في البيت، إلا أنه يتردد في ذلك لعوامل اجتماعية ونفسية عديدة، ومنها أن المجتمع سينظر إليه نظرة دونية لتخليه عن أبناء أخيه ، وهم في محنتهم  لكن أبو عامر  الذي لا يمتلك دخلاً ثابتاً، ويعيش على بضاعة يفترشها يوميًا على الرصيف، يفكر في حل آخر، في جعل عائلة أخرى تتبناهم  ، وقصة أبو عامر  تشابه في تفاصيلها قصصا أخرى تتكرر يوميًا في مدن العراق المختلفة، حين يرفض أصحاب الأمر إيداع الأطفال في مراكز الأيتام، خوفا من أقاويل الناس، وان أدى الأمر إلى تشردهم في الشوارع، فثقافة العيب تمنع تسجيل الأطفال، لكنها في الوقت ذاته لا تنظر إلى تشردهم كحالة شاذة ، تحمل الكثير من المتاعب .
وعلى العكس من ذلك تزداد ظاهرة تبني الأسر العراقية  الأطفال في دور الرعاية الكثير من الطلبات من أسر ترغب في تبني أطفال ، خاصة تلك الأسر المحرومة من الإنجاب .
وتقدمت أم غفران  بطلب إلى محكمة بغداد  بغية إكمال الإجراءات الرسمية لتبني الطفلة شذى المجهولة النسب، بعدما فقدت الوالدين. ويسمح القانون العراقي بتبني أطفال بشرط تمتع الأسر بمستوى دخل مناسب يؤهلها لرعاية الطفل المتبنى، كما يشترط القانون أن يكون الزوج والزوجة عراقيي الجنسية.

خمسة ملايين يتيم
وتقول الباحثة الاجتماعية في إحدى دور الرعاية ( أم سالم )  : إن في العراق نحو 2.5 مليون طفل يتيم، وإن هذا العدد يفوق قدرات الدولة العراقية. لكن تقارير دولية أشارت في آخر إحصائية لها عام 2011 إلى أن عدد الأيتام في العراق بلغ نحو خمسة ملايين طفل أي ما نسبته 16% من السكان. وكانت الحكومة  قد افتتحت عام 2009 مشروع تأهيل الكوادر للمنظمات العاملة في مجال رعاية وكفالة الأيتام في العراق. ويبلغ عدد دور الأيتام في العراق تسع عشرة دارا، أربع منها في العاصمة بغداد، والبقية في المحافظات.
ويقول أبو مازن وهو مسؤول سابق في دور رعاية الأطفال :إن هذه العوامل كانت سببا في أن الكثير من دور الرعاية ما زالت دون الحد الأقصى في طاقتها الاستيعابية بسبب العزوف الاجتماعي. ويتابع: تفضل العوائل، فاعلي الخير في تبني الأطفال، على دور الأيتام.ويشير أبو مازن ، منذ عام 2003 ازدادت ظاهرة الأطفال المشردين والأيتام، كما زاد عدد فاعلي الخير الذين يتبنون الأطفال، لكن رغم كثرتهم فإن أعدادهم تبقى قليلة قياساً إلى الرقم الهائل الذي تشكله أعداد الأيتام والمشردين في العراق وهو من الأمور المؤسفة .                                       
ويضيف أبو مازن : أعلنت وزارة حقوق الإنسان العراقية عام 2011 بأن العراق يضم الآن النسبة الأكبر من الأيتام في العالم العربي. وأكدت أن أعداد الأيتام في العراق بدأت بالازدياد خلال السنوات الأخيرة نتيجة لأعمال العنف وجرائم القتل التي طالت مئات الآلاف من العراقيين ويتمت وشردت الملايين من الأطفال .
ومنذ عام 2005 تبنت عائلة أبو احمد  في بغداد طفلاً واحداً، في بادرة إنسانية، شكلت حافزًا للبعض لأن يحذو حذوها. ولم يشأ أبو احمد أن يغير انتساب الطفل الذي فقد والديه أثناء الحرب، وآثر أن يبقى باسمه واسم عائلته، في مبادرة إنسانية تدل على الإيثار. وتشير المعلمة ابتهاج  المتزوجة منذ عشرين سنة، ولم ترزق بطفل، إلى أن تبني الطفل يتطلب وقتاً بسبب الروتين، واللجوء إلى المحاكم ومن ثم حكمًا قضائياً.
ويوضح أبو مازن  : لعل هذه احد الأسباب في عزوف البعض عن تبني الأطفال، ويطالب  بتسهيل الإجراءات، وتقديم الدعم والمكافآت للأسر التي ترغب في تبني الأطفال اليتامى، لتشجيع هذه الظاهرة الإنسانية .

إلغاء قرار التبني عند الإخلال بالتعهد
 قمنا بزيارة إلى إحدى المحاكم في بغداد، والتقينا أحد القضاة الذي فضّل عدم ذكر اسمه، وسألناه عن  مسألة ضم الأطفال أو (التبني )، والآلية التي تتم فيها،فأجاب قائلا: هناك العديد من الإجراءات التي يجب اتخاذها لضم الأطفال، فعلى الزوجين أن يتقدما بطلب مشترك إلى محكمة الاحداث لضم صغير، يتيم الأبوين، أو مجهول النسب إليهما، وعلى محكمة الاحداث قبل أن تصدر قرارها بالضم أن تتحقق من أن طالبي الضم عراقيان ومعروفان بحسن السيرة، وعاقلان وسالمان من الأمراض المعدية وقادران على إعالة الصغير وتربيته وان يتوفر فيهما حسن النية،  بعد ذلك تصدر محكمة الاحداث قرارها بالضم بصفة مؤقتة ولفترة تجريبية أمدها ستة أشهر، يجوز تمديدها إلى ستة أشهر أخرى، وترسل المحكمة خلال هذه الفترة باحثا اجتماعيا إلى دار الزوجين مرة واحدة في الأقل كل شهر، للتحقق من رغبتهما في ضم الصغير ومن رعايتهما له، ويقدم بذلك تقريرا مفصلا إلى المحكمة . ويضيف : إذا عدل الزوجان أو احدهما عن رغبته في ضم الصغير خلال فترة التجربة، أو تبين لمحكمة الاحداث أن مصلحة الصغير غير متحققة في ذلك، فعليها إلغاء قرارها بالضم وتسليم الصغير إلى أية مؤسسة اجتماعية معدة لهذا الغرض، وإذا وجدت محكمة الاحداث بعد انقضاء فترة التجربة أن مصلحة الصغير متحققة برغبة الزوجين الأكيدة في ضمه إليهما، تصدر المحكمة قرارها بالضم،  ويتم الإقرار بنسب مجهولة النسب أمام محكمة الاحداث وفق قانون الأحوال الشخصية، ويعتبر الصغير مجهول النسب مسلما عراقيا، ما لم يثبت خلاف ذلك، ومن ثم على محكمة الاحداث إرسال نسخة من قرارها بالضم أو بالإقرار بالنسب إلى مديرية الجنسية والأحوال المدنية العامة لقيدها في سجلاتها.

قانون رعاية الأحداث رقم 76 لسنة 1982
  وأضاف القاضي: هناك العديد من الالتزامات تترتب  على طالبي الضم تجاه الطفل وهي الإنفاق على الصغير إلى أن تتزوج الأنثى أو تعمل، والى أن يصل الغلام الحد الذي يكسب فيه أمثاله ما لم يكن طالب علم أو عاجزا عن الكسب لعله في جسمه علة أو عاهة في عقله، ففي هذه الحالة يستمر الإنفاق عليه لحين حصول طالب العلم على الشهادة الإعدادية كحد أدنى عند بلوغه السن التي تؤهله للحصول عليه، أو حتى يصبح العاجز قادرا على الكسب والإيصاء للصغير بما يساوي حصة أقل وارث ،على ألا تتجاوز ثلث التركة، وتكون واجبة ولا يجوز الرجوع عنها. وهذا ما جاء في قانون رعاية الاحداث رقم 76 لسنة 1982 وتعديلاته، وحسب رأي القاضي فالتبني في الإسلام غير جائز، إذ لا يجوز التبني لمعلوم النسب، فالذي يحدث أن يؤخذ الطفل من عائلته المعروفة ليعطى إلى أخرى، ويسجل وينسب باسمهم ،وهذا لا يجوز مما يسبب في المستقبل الكثير من المشاكل الاجتماعية، وهنا يأتي  دور المحكمة في نفي وإثبات النسب، فإذا كان هناك بيان ولادة صادر من مستشفى فلا يمكن تغيير نسب الطفل إلى العائلة الجديدة،لأن  بيان الولادة دليل على نسبه الأصلي، أما إذا كانت الولادة في البيت عن طريق القابلة المأذونة، فتكون هناك حجة ولادة ،وهنا يتم تغيير النسب لعدم وجود دليل على نسب الطفل الأصلي، فإذا جاء الأهل وأقروا أن هذا ليس طفلهم وهو طفل العائلة الأخرى وأقر الجميع بذلك فيحكم بنفي نسب الطفل ونسبه إلى العائلة الأخرى حسب شهادة الشهود .

القانون المدني العراقي لم يرد فيه نص يحدّد مفهوم التبني
المحامي طارق مهدي قنديل ، يعتقد أنه  لم يرد في القانون المدني العراقي نص يحدد مفهوم التبني بشكله المعروف كما  في قوانين الدول الأخرى وبالأخص الأوروبية،  وسبب ذلك -كما يقول- لأن القانون المدني العراقي جاءت معظم أحكامه من الشريعة الإسلامية، ومن المذهب الحنفي واعتماده على مجلة الأحكام العدلية العثمانية ومرشد الحيران لقدري باشا، عكس القوانين الأوروبية  التي تعتبر التبني والولد غير الطبيعي مسألة اعتيادية نصت عليها تلك القوانين، وقد عالج القانون المدني العراقي مسألة البنوة الشرعية والولاية وسائر الواجبات ما بين الآباء والأبناء والأشخاص الذين لا تعرف لهم جنسية وحالة اللقيط، وهذا  كله يتعلق بمسألة الجنسية العراقية . وعلى الرغم من أن التبني في الإسلام غير وارد إلا انه في الحياة الاجتماعية يلجأ بعض الناس إليه، ممن لم يرزقوا بأطفال فيأخذوا الطفل من المستشفى أو الملجأ ويتبنوه كطفل لهم، ويسجل باسمهم مما يخلق مشاكل اجتماعية كثيرة، وهناك قواعد عامة تحدد أطر التبني ومنها أن يكون المتبني بعمر معينة يستطيع معها أن يعيل المتبنى وألا يكون لديه أولاد شرعيون وقت التبني، ويكون حسن السيرة والسلوك وأن يرضي الزوج الآخر. هذه هي شروط المتبني، أما المتبنى فيجب أن يكون قاصرا ويجوز تبني البالغ بشرط أن يكون اقل عمرا من المتبني، كما لا يجوز تبني أكثر من شخص ما لم  يكن الزوج متزوجا زوجتين، ويحصل التبني بعقد رسمي يحرر بحضور الطرفين وتصدقه المحكمة، ويرث المتبنى المتبني، ويجوز الطعن في الإجراءات وفي الإرث الذي يكون للمتبني من قبل من له مصلحة في ذلك، كأن يكون أشقاء وشقيقات المتبني أو من له مصلحة في إرث المتبني خاصة بعد وفاته، والتبني لا يخرج المتبنى من عائلته الأصلية إذا كان معلوم النسب وبقي حاملا لاسم عائلته الحقيقية، و لايحرمه حقوقه فيها، ويكون للمتبني حق تأديب من تبناه وتربيته وحق الموافقة على زواجه، وللمتبنى جميع الحقوق المنصوص عليها في الميراث ما لم يطعن من له مصلحة في نفي نسب المتبنى.
أما الباحث الاجتماعي  (أحمد علي) فله رأي آخر في موضوع التبني، إذ قال: إن  مسألة العمر هي مسألة مهمة في التبني، حيث إن الطفل إذا كان صغيرا يمكن بناء شخصيته كيفما يشاء المتبنيان، ويمكن أن ينشأ بالشكل الذي يريدانه من حيث نقل الأفكار والمبادئ التي تنمو مع هذا الصغير وجعله بالصورة المثالية، إذ  أن الطفل يقوم بملاحظة وتقليد ما يقوم به الآباء ،وهنا يستطيع المتبني تربية الطفل الذي تبناه بالطريقة التي يرغب فيها. وأفضل طريقة للتبني أن يحتفظ الطفل باسمه الحقيقي والاعتراف بأبويه الحقيقيين، وإفهامه بأنه في عائلته الثانية، وإنه في طريقه إلى أن يكون أحد أفراد هذه العائلة، وأرى أن تبني الصغار أفضل من تبني الكبار لأن فيه  تسهل السيطرة على الصغير، ويجب أن يكون اختياره دقيقا وبتأن بعد معرفة عائلته إن كان معروف النسب، وان كان مجهول الأبوين فإن ذلك لا يؤثر في تربيته ،حيث إن الإنسان كما هو معلوم يتأثر بالواقع الاجتماعي الذي ينعكس سلبا أو إيجابا، ولهذا فهو يتأثر بالذين يعيشون معه ويؤثرون عليه، ولا علاقة للأبوين اللذين ولداه ،وهذا ثابت اجتماعيا وطبيا. الباحثة الاجتماعية كوثر سمير من جانبها اعتبرت مسألة الرغبة الصادقة لمن يريد القيام بالتبني مهمة جدا لإنجاح هذه العملية، وقالت: عندما تتولد الرغبة لدى الأزواج الذين مضت سنوات عديدة على زواجهم ولم يتمكنوا من الإنجاب لأسباب عديدة في أن يكون لديهم طفل ،لذلك يفكرون  بالتبني. ولكن قد ينتاب احد الزوجين شعور بأنه قد لا يحبان من تبنياه كحبهما للطفل الذي يكون من صلبهما ،ولكن سرعان ما تتبدد هذه الشكوك وهم يرون الطفل وقد أصبح جزءا مهما من عائلتهما، خاصة عندما تشعر المرأة بأن تبني هذا الطفل أسهل بكثير من عملية الولادة والتعب. وتؤكد الباحثة إن الاستعداد النفسي مهم لمن يريد التبني  إذ يجب أن يكون الزوجان على استعداد لضم هذا الصغير وان يكونا قادرين على تربيته وإدارة شؤونه على أتم وجه وأحسن صورة .

آراء شرعية
لمعرفة رأي الشريعة الإسلامية في مسألة التبني كان لقاؤنا أولا مع السيد صالح الحيدري رئيس ديوان الوقف الشيعي الذي  أجابنا بشأن الموضوع  قائلاً: إذا كان المقصود بالتبني هو قيام عائلة معينة بتربية طفل يتيم  الأبوين،  أو لأي سبب آخر، وتقديم العون له في الأمور الحياتية حتى يصبح قادرا على تحمل أعباء الحياة بنفسه فليس هناك مانع شرعي في ذلك،  أما المانع الشرعي فهو عندما يسجل هذا الطفل باسم العائلة التي تبنته، وما يترتب على هذا التسجيل من حقوق شرعية كأي وريث لهذه العائلة، فهذا الأمر لا يجوز إطلاقا، ولا يجوز نسب هذا الطفل إلى أب غير أبيه الشرعي أو أم غير أمه. إذن لا يوجد مانع من رعاية الأولاد وتربيتهم مع ملاحظة مهمة وهي القضية الشرعية داخل البيت للولد والبنت أيضا، ويعني هذا عندما يبلغ الولد سن الرشد فيجب على المرأة التي ربته أن ترتدي الحجاب عندما تراه، وكذلك البنت يجب أن ترتدي الحجاب أمام الرجل الذي قام بتربيتها، فجميع المذاهب ترى انه لا يجوز أن يعتبر هذا الشخص ابنا لهذه العائلة ما لم يكن من صلب الأب، ففي كل المسائل الشرعية لا ينسب هذا الشخص إلى العائلة التي قامت بتربيته، ولكن بالإمكان تقديم مساعدة أو هدية له بأن يسجل المتبني باسمه مالا أو بيتا أو ما شابه ذلك، أما محمود الفلاحي مسؤول مكتب رئيس ديوان الوقف السني فأجابنا عن سؤالنا بشأن التبني قائلاً: بما أن الشريعة الإسلامية تحترم الطفولة وتدعو إلى الحفاظ على الأطفال، فلا بأس من أن ينضم الطفل لأي سبب كان  إلى إحدى العوائل الراغبة في رعايته، وتقديم العون له في الحياة من دون أن يسجل باسم تلك العائلة، وإنما ينسب إلى اهله الحقيقيين، ولنا شاهد في ذلك مسألة الرسول في حادثة زيد حيث ورد النص القرآني الصريح (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله...) فلم يقل إن( زيد)هو ابن محمد، على الرغم من تربية الرسول لزيد منذ صغره. وكذلك ما ورد في آية أخرى (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ... )، أما في مسألة الإرث فلا حق له في الميراث وإنما يحق للشخص الذي قام برعايته وتربيته أن يوصي له بمال يساعده على العيش بكرامة. وعند سؤالنا له عن إمكانية زواج المتبني من الفتاة التي تبناها أجاب : ليس هناك مانع شرعي من زواج المتبني الفتاة التي تبناها، لأنه لا يوجد بينهما رابط قرابة يمنع الزواج منها.
ولمعرفة رأي الديانة المسيحية في مسألة التبني التقينا رجل الدين المسيحي  خالد ايشو (كنيسة الكلدان) ،حيث أوضح إن التبني جائز في المسيحية إذ يكون الطفل المتبنى مثل الابن الحقيقي، ويتم تسجيله باسم العائلة التي تبنته ،فلا ضير في ذلك في الديانة المسيحية. ويتبع الشخص المتبنى  الديانة المسيحية، أي دين العائلة التي قامت بتربيته، أما بالنسبة للإرث فيتبع ذلك حالة العائلة المتبنية، فإذا كانت العائلة لديها إناث وهو الولد الوحيد بينهن فيعطى حاله كحال الإناث، أما إذا كان الشخص المتبنى هو الوحيد في العائلة فيتم إعطاؤه إما ربع التركة أو نصفها إذا كان شخصا محترما بارا بعائلته التي تبنته،  أما إذا لم يكن وفيا مع العائلة التي  رعته وربته فلا يعطى شيئا من التركة، وتذهب إلى غيره من الورثة في العائلة. ولكن المسألة المهمة انه لا حرام في المسيحية من تسجيل الطفل المتبنى باسم العائلة التي تبنته،  كما لا يجوز الزواج من الأنثى التي يربيها المتبني إطلاقاً.


الأطفال الضحية
أغلب الأطفال اليتامى أو مجهولي النسب هم ضحية النزاعات والأعمال المسلحة، كما أن بعض الأطفال ظلوا بلا معيل لاعتقال ذويهم أو تركهم لأسباب اقتصادية أو اجتماعية.
كما تلمح في دور الأطفال الكثير من الأطفال مجهولي النسب ممن التقطوا من الشوارع. وتقول وسن إسماعيل  الباحثة الاجتماعية في إحدى دور  الأيتام : “لدينا طفلان ممن وضعت علامات في أجسادهم، وهم رضع بعدما ألقوا في مكبات القمامة، ولعل ذلك يشكل دليلاً على أن والديهم يسكنون في المحيط المجاور وأنهم يعرفون أن أطفالهم سيتم إيداعهم في دور الأيتام، لهذا تم وشمهم بعلامات معينة، لكي يقتفوا أثرهم في المستقبل وهو أمر يدعو إلى الغرابة . وتشير وسن إلى أن تطوير دور الأيتام، ونشر ثقافة التبني يقطعان الطريق على عصابات خفية تسعى لتهريب الأطفال، ونقلهم من العراق إلى دولة أخرى.وبحسب وسن فانه رغم الحروب والمآسي التي مر بها العراق فان ظاهرة خطف الأطفال وبيعهم أو الاتجار بهم لم تصل إلى مستويات مقلقة ،وما حدث كان حالات فردية، أو حالات تناوبت بين الفينة والأخرى بسبب الروابط الاجتماعية القوية في المجتمع والذي ما  زال بخير برأي وسن  التي تختتم حديثها بالإشارة إلى أن  منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونسيف) قد أعلنت  أن 872 طفلاً عراقياً قتلوا وأصيب أكثر من 3200 بجروح جراء أعمال عنف وقعت في العراق بين عام 2008 و2010. وأشارت إلى أن تقارير أصدرتها الحكومة العراقية أفادت بان 376 طفلا قتلوا وجرح 1594 جراء أعمال عنف وقعت عام 2008 ،كما قتل 362 وجرح 1044 آخرون في عام 2009 . وأشارت إلى أنه قتل 134 طفلا وجرح 590 آخرون جراء أعمال عنف وقعت خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2010 .وتمثل حصيلة الأطفال القتلى خلال الأعوام الثلاثة الماضية زهاء 8,1 % من مجموع الضحايا الذين قتلوا في ثلاث سنوات. وأكدت المنظمة الدولية في تقريرها أنها ما زالت تشعر بالقلق إزاء العنف العشوائي الذي يستمر في انتهاك حقوق الأطفال في العراق ، وشددت على أنها تواصل مع شركائها رصد الانتهاكات ضدهم بما فيها التجنيد والقتل والتشويه والاختطاف والاعتداء الجنسي والهجمات على المدارس والمستشفيات والتي تقف وراءها عصابات منظمة ..وتعاني الغالبية العظمى اليتامى  من الأطفال في العراق   الذي شهد عدة حروب خلال العقود الأخيرة بينها الاجتياح الأميركي عام 2003،  نقصاً في الخدمات بشكل عام ،وبينها الحاجة لمستلزمات التعليم والخدمات الصحية ومستلزمات الحياة الأخرى.

قصة من الواقع
في أدناه  واحدة من قصص التبني  العديدة التي حدثت وتحدث في المجتمع، لسبب أو لآخر، فهي قصة تبيع فيها عائلة طفلها  لعدم قدرتها على إعالته وإخوته التسعة، وعائلة أخرى تشتريه بعد أن تأكدت  ألا أمل لها في إنجاب أطفال من صلبها، وأحداث القصة هي أن امرأة  كانت تحلم  قبل زواجها  بالأمومة، فكانت لديها مشاعر حنان وعطف على الاطفال بشكل ملفت للنظر يختلف عن بقية شقيقاتها، ولديها رغبة كبيرة بان تصبح أما لعدد كبير  من الأطفال، ولكن شاءت الأقدار أن تتزوج من رجل اكتشفت في ما بعد انه غير قادر على أن يحقق حلمها في الأمومة، حاول الزوج بعد أن اكتشف انه السبب في عدم القدرة على الإنجاب أن يطرق كل الأبواب من اجل الحصول على مبتغاه، إلا أن جميع محاولاته باءت بالفشل، خاصة بعد أن أكد له جميع الأطباء الذين زارهم انه عقيم ولا توجد فرصة واحدة لأن يصبح أبا في المستقبل،  وبعد مضي فترة اتفق الطرفان على أن الحياة يجب  ألا تتوقف عند هذا الحد، ففكرا في تبني احد الأطفال ووقع اختيارهما على عائلة لديها تسعة أطفال والأم حامل في الطفل العاشر،  والعائلة غير قادرة على إعالتهم، فحالتهم المادية صعبة جدا ،فاتفقت العائلتان على أن يكون الطفل القادم من نصيب الزوجين غير القادرين على الإنجاب، سواء كان ذكراً أم أنثى،  مقابل مبلغ من المال. وفعلا، وبعد فترة ولدت الأم مولودا ذكرا على يد القابلة المأذونة وأعطته فورا إلى العائلة التي تبنته وسجلته في بيان الولادة باسمها، بمساعدة تلك القابلة، وأصبح المولود رسميا ولدا لتلك العائلة على الرغم من معرفتهم بأن ذلك مخالف للشريعة، وحرصت تلك العائلة على عدم معرفة الطفل لعائلته الحقيقية، فبعد أن أخذوه من عائلته سافرا به إلى محافظة أخرى كي لا يتمكن احد من معرفة مكانهم واحتمال مطالبة أهله الحقيقيين به برفع قضية إثبات للنسب، والطفل يبلغ من العمر الآن عشر سنوات ولا يعرف سوى عائلته التي ربته وأغدقت عليه بالحنان والحب،  وهو بدوره يعتقد بأنهم أهله الحقيقيون، وهم حريصون كل الحرص على عدم معرفته للحقيقة خوفاً على مشاعره، وخوفاً من أن يخسروه بعد أن أصبح كل شيء في حياتهم.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2